الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
196
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 8 ] [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 8 ] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) تصريح بما اقتضاه التذييل من الوعيد وعدم الانفلات من الجزاء عن أعمالهم ولو بعد زمان وقوعها لأن طول الزمان لا يؤثر في علم اللّه نسيانا ، إذ هو عالم الغيب والشهادة . وموقع هذه الجملة موقع بدل الاشتمال من جملة فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الجمعة : 6 ] ، وإعادة فعل قُلْ من قبيل إعادة العامل في المبدل منه كقوله تعالى : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا في سورة العقود [ 114 ] . ووصف الْمَوْتَ ب الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ للتنبيه على أن هلعهم من الموت خطأ كقول علقمة : إن الذين ترونهم إخوانكم * يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا وأطلق الفرار على شدة الحذر على وجه الاستعارة . واقتران خبر ( إن ) بالفاء في قوله : فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لأن اسم ( إن ) نعت باسم الموصول والموصول كثيرا ما يعامل معاملة الشرط فعومل اسم ( إن ) المنعوت بالموصول معاملة نعته . وإعادة ( إنّ ) الأولى لزيادة التأكيد كقول جرير : إن الخليفة إن اللّه سربله * سربال ملك به تزجى الخواتيم وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا في سورة الكهف [ 30 ] . وفي سورة الحج أيضا . والإنباء بما كانوا يعملون كناية عن الحساب عليه ، وهو تعريض بالوعيد . [ 9 ، 10 ] [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ذكرناه آنفا . وقد تقدم ما حكاه « الكشاف » من أن اليهود افتخروا على المسلمين بالسبت فشرع اللّه